أحمد بن يحيى العمري

26

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

إلى الشّام ، ثم رماه الزّمان إلى حصن كيفا ، فأقام بها حتّى ملك السّلطان صلاح الدّين ، فاستدعاه وقد جاوز الثّمانين » « 1 » انتهى كلامه . قلت : وقدم عليه وقد أمسك الهرم بواعثه ، وشدّ بإمساك العصا له رجلا ثالثة ، وقد جاوز الثّمانين ، وجاور ركائب إلى المنايا ما بين . وفي سنّه يقول : لمّا علّت ومرّت أيامه التي خلت ، وقد وهن جلده ، ووهى بنانه ، ورعشت يده . ويصف فيها ما آلت إليه أحواله وآصت ، أقصر من أعمر الأيام أحواله ، يتذكّر شبابه المفارق ، وناب سنانه في صدر المارق ، إذ كانت قناته تحرق لبّة الأسد ، وتخلق له في قلب الشّجاع الحسد : [ البسيط ] فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما * من بعد حطم القنا في لبّة الأسد « 2 » وله ديوان شعر رقيق الجلباب كخدود الغيد ، تحيّر فيها ماء الشّباب . لا يصل إلى درّه الغوّاص ، ولا يطّلع على سرّه إلّا الخواص . ومما له يرشف ثغوره ، وترهف كالسّيوف الحداد سطوره ، قوله : « 3 » [ الطويل ] تخالفت الأهواء وانشقّت العصا * وشعّبهم وشك النّوى كلّ مشعب وقد نثر التّوديع في كلّ مقلة * على كلّ خد لؤلوا لم ينقّب ( 11 ) ومنه قوله : « 4 » [ مجزوء الكامل ] يا عاتبا أحبابه * أأمنت تقليب القلوب ؟

--> ( 1 ) : الخريدة ( قسم الشام ) 1 : 498 - 499 . مع اختلاف في الرواية . ( 2 ) : ديوانه 384 . ( 3 ) : ديوانه 102 . ( 4 ) : الديوان 377 . ومصدره المسالك .